"المشاعر الصامتة بداخلنا أقوى ألف مرة من تلك التي قد نعلنها بالكلمات أو نترجمها بالأحرف "
سكنت أنفاس الليل المعتم رويدًا رويدًا معلنة انطفاء جذوته وقد أزمع على الرحيل مبتعداً بتراخٍ حاملاً حقائبه الكثيرة أو ما قد تبقى من توابعه في حين تسللت في هدوءٍ وترَويّ أطياف الشفق المتغلغلة من بين ثناياه و المتشبثة حثيثاً بحدود الأرض مبشرة بقرب ولادة نهارٍ جديد .. انتفضت سَماهِر فزعة من نومها تتلاحق أنفاسها كغزالٍ طريدٍ عندما دق منبه الساعة المتدلية فوق الجدار بدقات رتيبة متتالية ففتحت عينيها بصعوبة محتضنة وجهها النحيف ما بين كفيها وهي تحاول جاهدة قدر استطاعتها أن تبقي على عينيها المنهكتين المتقدتين بالاحمرار من قلة النوم في حالة استيقاظ..
جلست على حافة سريرها متكاسلة , مُنْسَرِحة الفكر تداعب خصلات شعرها البنيّ ثم ما لبثت أن انحنت جالسة تتلمس وجهها الصغير بيديها الدافئتين في محاولة أخيرة منها لإزالة ما قد يكون علق به من أثار نعاسٍ أو من بقايا أحلامٍ لربما قد التصقت به ..ثم نهضت واقفة وهي تنفض عن نفسها بقايا النوم كما ينفض المسافر عن جسده غبار طريق طويل..
أغمضت سماهر عينيها وفتحتهما مرة أخرى بصعوبة بالغة وهي تلقي بنظرها في اتجاه عقارب الساعة المتدلية فوق صدر الجدر مشيرة إلى الرابعة والنصف صباحاً ..
فأسرعت الخطى متجهة إلى غرفة أمها القابعة في نهاية الردهة وقد انعكست كل أثار ذلك الإرهاق المتراكم في بدنها على عدم أتزان خطواتها وهي تسير قاطعة الطريق تجاه غرفة أمها بينما قد بدا الطريق إلى الغرفة واضحاً إلى حد ما بذلك الوميض الخافت الذي يشع متسرباً من داخلها كي يبدد عتمة المكان مشجعاً إياها على أن تقطع الطريق بسرعة اكثر ..
تقدمت سماهر مخترقة كافة حواجز الظلمة وهي تحاول جاهدةً الحفاظ على عينيها المرهقتين في حالة من اليقظة ...
دلفت سَماهِر إلى غرفة أمها بهدوءٍ ملقية نظرة سريعة على ذلك الجسد النائم وهي تتأمل وجه أمها المستسلم بعطفٍ يشوبه القلق ثم اقتربت ممسكة بيدها ملعقة الدواء الذي قد حان موعده وربتت على شعر أمها محتضنة جسدها النائم رافعة نصفه العلوي ببطء مرخية رأسها على صدرها الصغير ثم مدت يدها ببطءٍ دافعةٍ بمحتوى ملعقة الدواء نحو فم أمها بتأنٍ ...بينما لم يبدو على أمها المستسلمة بأنها قد حركت ساكن أو شعرت بشيء ..
أنزلت سَماهِر جسد أمها المسترخي لتريحه فوق السرير وقد بدا مستسلماً بلا حول له ولا قوة ..
في حين رفعت أمها التي يبدو أنها استيقظت لتوها عينيها إليها بامتنان بالغ ... فتنبهت سماهر لنظرتها وربتت على رأسها مرة أخرى وهي تتأمل وجه أمها الشاحب ببطء بينما تسترجع في عقلها أصداء كل تلك السنوات التي قد سبقت تلك اللحظة وماقد طرأ على حياتهما من تغير ...
لحظات قليلة تسللت إلى عقلها ملخصة سنوات طويلة سعيدة قد ذهبت بغير رجعة.. استرجعت فيها سماهر أيام مضت من حياتها وطفولتها..
ابتسمت وهي تتذكر وجها أبيها وأمها في ريعان شبابهما وأوج قوتهما واتسعت ابتسامتها اكثر عندما تذكرت تدليلهما إياها وهي أبنتهما الوحيدة ..
ولمعت عيناها بوميض بهجة حين تذكرت ضحكاتهما وأفراحهما ...وكل تلك الأيام السعيدة التي قد مضت وانسابت هنيئة دون منغٍص حتى فاجئهما مرض والدها وأعقبتها وفاته ليتغير مسار حياتهما بالتبعية تغيراً جذرياً وتتلاشى كافة أركان السعادة منها رويدًا رويدًا ثم تنهدم بالكلية بعد إصابة أمها من بعده بهذا المرض الغريب الذي حار الأطباء في تشخيصه حتى توصلوا بالنهاية إلى انه مرض يدعى التصلب الجانبي الضموري فانقلب كل شيء في حياتهم رأسا على عقب .. ...
يوماً وراء يوم...
وساعة وراء ساعة...
وعاماً وراء عام ...
كل شيء في حياتها يتغير ويتبدل كتبدل تفاصيل الأماكن ما بين الربيع و الشتاء
سنوات تمضي وهي تشاهد أمها تذبل ذبول الزهرة اليافعة في آنية الفخار وتجف خلاياها البضة جفاف الأوراق الناضرة على فروع الأشجار عندما يأتي الخريف..
كانت تعلم أن الاختيار الوحيد في حينها كان بأن تترك كل شيء في حياتها و تتحمل مسئوليتها في البقاء بجوار أمها لرعايتها ...
....دراستها الجامعية ...
أصدقائها ....
كل ذلك صار يقيناً من الماضي...
حتى علاقتها بذلك الشاب الذي أعجبت به ودقت قلوبهما معاً بشيء ما انفك ينمو بين جنباتهما معلنا عن قصة حبٍ قد كتبت نهايتها من قبل أن تبدأ
وما كان لها إلا أن تترك كل هذا وتلقيه وراء ظهرها كي تمضي قدماً في تحمل مسئوليتها و ملازمة أمها مُضحية بأحلامها وسعادتها وسنوات عمرها وهي الشابة التي لم تتم ربيعها العشرين و التي قد تفجرت براكين أنوثتها منذ سنوات قليلة معلنة تمرد جسدها وحاجتها للكثير والكثير ...
كل تلك السنوات قد مضت كقطار سريع لا ينتظر أحد...ولا يدركه أحد
قطارا قد انطلق تاركاً ورائه بقايا إنسانة....
"نحن لا ندرك ذلك التغير الذي قد يطرأ علينا إلا عندما نراه فقط منعكساً في كل شيء حولنا"
وفي لحظة ما ...
بدا كما لو أن كل شيءٍ في تلك الحياة قد تغير فجأة ....
فالغصن الناضر قد أيبس وانطفئت جذوة الشباب في ذلك الجسد الشامخ وانهزمت أجمل تلك الومضات في مسامات الروح أمام عنفوان صدمات الزمن ...
ثم مضت السنون سريعاً كعاصفة هوجاء تبعثر كل شيء بلا هوادة لكن شيئاً في مرض أمها لم يتغير بيد أن منحنى المرض قد بدأ أكثر في هبوطٍ متسارع ..وأن والدتها لم تنفك أن صارت هي محور حياتها ومركز الكون بالنسبة لها ...
وحين مضت السنون كومضة برق ,,,أضحت الشابة الصغيرة وقد تخطت الثلاثين ولمَا يطرق بابها من خطيبٍ سوى فقط القليل ...وحتى ذلك القليل قد ذهب إلى غير رجعةٍ عندما علم بكل ظروف مرض والدتها وفهم بأن حياة تلك الفتاة بالكامل مرهونة بملازمتها لأمها ولا مكان يتسع لآخر ...
كل تلك السنوات قد مضت ككلاليب الصراط تقتطع من حياتهما في كل عامٍ يمر أجزاءً وأجزاءً
ربما قد شعرت بأنها ما عادت إلا ككويكبٍ صغيرٍ يدور في فلك أمها ومرضها ...
وربما شعرت بأنها قد فقدت الكثير من معان الحياة ...
لكن أكثر ما شعرت به ..وأدركت انه يقين لا يقبل الشك أنها بالنسبة لأمها قد صارت كل شيء في الحياة أو أنها قد صارت بالنسبة لها هي الحياة نفسها
فمرض أمها قد تسلل كوحشٍ قد تربص بجسدها البض فأستوطنه ثم أفترسه فأيبسه. وتجبر على خلاياه فهزمها واخرس كل مظاهر الحياة فيها فقضى على قدرتها في الاعتماد على ذاتها في عمل أي شيءٍ وأحالها إلى تمثال باهت من الشمع في حالة كاملة من السكون وانعدام القدرة على تحريك أي جزء أو أي طرف فقضى على قواها بداية من الحركة ونهاية بالكلام والسمع فصارت بمرور الوقت لا شيء سوى حطام روحٍ منهك في بقايا جسد خائر فلم يُبقي ذلك المرض اللعين غير ذلك الوميض الخافت في عين أمها
صارت ميته على قيد الحياة ....
وماتت كل لغات التواصل الإنساني بينهما وانتهت إلى غير رجعة ..
ولم يتبقى من أمها غير تلك النظرات المختبئة في مسارات الأعين والباثقة من خلف جدران مشاعر تحيا بين جدران الصمت الخرسانية...
فتحت الأم "هاجر" عيناها ببطء في تلك اللحظة وقد ثبتت حدقيتها الذابلتين على عيناي سَماهِر بنظرات امتنانٍ وحزنٍ ..وبادلتها سماهر النظرات و تلاقت أعينهما سويا في مكان ما من خلف حدود العالم ....
فإحساس الأم بشقاء ابنتها الصغيرة وتعبها و ارتباط حياتها بها و تضحيتها بكل شيء في سبيل بقائها معها وملازمتها لها ما أنفك يطعنها في مشاعر أمومتها ..
وإحساسها بأن ابنتها تلك قد صارت هي يديها وقدميها ولسانها و صارت ذلك الخيط الوحيد والباقي الذي تتشبث به من اجل الحياة يقتل كبريائها أيضا فلا يوجد أب أو أم يرغب في يومٍ بأن يصبح عبئاً على أبنائه..
كل ذلك كان يدفع بمشاعر غريبة مختلطة من الامتنان المخلوط بالشجن في قلبها..
فليست الحياة هي ما تعنيها بذاتها بل فقط هو البقاء بجانب من نحب هو ما يعني الحياة بالنسبة إلينا ..فليس لحياتنا أي معنى إن ذهب هؤلاء الذين نحيا من أجلهم ..
صراع طويل يتصاعد في عقلها ما بين رغبتها في الحياة وبين مشاعر حزنٍ تتسلل إلى قلبها في أحيان كثيرة فتلقي عليه أثقالا من الشجن وتوصمها بنوع من مشاعر الأنانية حين تفكر بأن كل شيء في حياة ابنتها الأن قد أمسى موقوفاً بالكامل بسبب حياتها هي ...
كم من أيامٍ قد مرت عليها وهي تتمنى الموت حتى ترتاح من ذلك الصراع المشتعل بين جنباتها وفي أركان عقلها ...تتمنى الموت حتى ترتاح هي أو تريح ابنتها من عبء حياتها
تتمنى الموت حتى تتحرر روحها الشفافة من جسدها المثقل ...وحتى تتحرر ابنتها من عبء هذا الجسد الخائر وتبدأ حياتها الخاصة ...قبل فوات الأوان...
ما أقسى تلك النظرة التعبة في عين ابنتها ...
ما أقسى تلك النظرة الغارقة في بحارٍ من الحزن ...
حزن لم تستطيع أن تُفسره يوماً أو أن تتفهمه ...
هل هو إرهاق!!! أم آلم؟!!
هل هو حزن عليها؟! أم حزن بسببها ...!؟
نظرات ابنتها شعرت بها هاجر الأم كنصل سكينٍ قد غُرس في قلبها فأدماه ...
نظرات قد تحمل مشاعر تأفف لمن مَلَّ من عبء تحمل مسئولياته تجاه ما يثقله وبات يرغب في التخلص من هذا العبء
يا لله كم هي قاسية تلك الحياة حين تضعنا في مثل تلك المواجهات...
كم هي قاسية تلك الحياة حين تجبرنا على أشياء لا نرغبها ....
على مشاعر لا نريد أن نشعر بها..
على مواجهات قد نرغب في الهرب منها فإذا بها تضعنا قبالها في صدامٍ دامٍ ...
حقاً لا احد باستطاعته أن يتفهم ردود أفعال البشر إلا حين يوضع هو نفسه في موضعهم ..فالنفس البشرية أعقد بكثيرٍ مما قد نتخيل
فردود أفعالنا ما هي إلا قرارات عفوية تُترجم كل تلك الصراعات المعقدة التي تجتاح عقولنا وتتشابك في أغوار أنفسنا.
لذلك فحين ترقرقت تلك الدمعة في عين هاجر الأم وهي تنظر لأبنتها بنظرة تحمل الكثير والكثير من المعاني؟.؟
نظرة....
لا تكفي كل كلمات الدنيا...
ولا كل قواميس اللغات ..
ولا كل حروف الكون أبداً لوصف مشاعرها في تلك اللحظة ...
حتى كل أطباء العالم لن يستطيعوا تفسيرها ولا تفسير كل هذا التناقض والصراع الدائر في عقليهما معاً
هذا الصراع الدائر بين رغبة كلاهما في الحياة ....أو الموت .
وهل هناك من رغبة للإنسان أبداً ...أشد وأقوى من رغبته في الحياة ذاتها.؟؟
صراع يدور في عقل الأم بين محبتها لابنتها ورغبتها في الذهاب بعيداً وتركها لكي تحيا حياتها الطبيعية بعيداً عن تحمل أعبائها ....
صراعٌ ما بين حبها لابنتها وحبها للحياة .. بين حزنها عليها وخوفها أن يأتي هذا اليوم الذي ترى فيه تلك النظرة في عين ابنتها بسبب أنها قد أضحت عبء عليها ما انفكت ترغب في التخلص منه ..
صراع بين تعب وإرهاق وألم وسنون تمضي وعمر يذهب وشباب يذبل في عقل سماهر
لمحت سَماهِر في عين أمها ذلك الوميض لتلك الدمعة التي ما انفكت تسيل على وجنتها فمسحتها بيديها واحتضنتها... لكنها لم تستطيع أن تفهم أو تفسر ما تحمله تلك الدمعة من معانٍ.؟!...هل هي دمعة ألم ..؟!..أم هي دمعة حب...؟!
هل هي دمعة شكر وامتنان ..؟!..أم دمعة لوم ؟؟؟
لوم...؟؟؟!!!
فكرت سماهر ..وهي تنظر في عيناي أمها بينما تحدث نفسها.؟؟؟
هل يمكن أن تلوميني يا أمي ؟؟ هل قصرت ؟؟؟
منذ ما يقرب من عشر سنوات وما احسب غير أن الكون بأكمله قد تقلص من حولي وقد صرت رهينة في ذلك المنزل ... وصار هو عالمي
عشر سنوات سجينة بين تلك الجدران...
عشر سنوات كانت كافية أن ابدأ حياتي..
أن اكمل دراستي التي توقفت عنها ...
عشر سنوات كانت كافية أن أحب وأن أتزوج و أنجب ...كباقي أقراني وصديقاتي.؟؟؟
هل قصرت...؟
هل يمكن مع كل هذا أن أكون قصرت؟؟؟
أنا لا أرى غير أن كل ما في حياتي صار تابعاً لحياتك ...
فأنا استيقظ في مواعيد دوائك وأنام عليها ..
وأحيا ساعاتي مرتبطة بمواعيد نومك واستيقاظك...
حياتي كلها ما عادت إلا ظل لحياتك..
وانا ما عدت إلا كظلٍ باهتٍ لخيال ظلٍ؟؟؟
هل يمكن أن أكون قصرت؟؟؟
أم فقط هو جلد قلبي لذاته ...
وماذا كان بإمكاني أن افعل غير ما فعلت ...؟؟
- قاطعت هاجر حديث أبنتها لنفسها بنظرة أخرى ألقتها نحو عينيها فبدا وكأنها تقول شيء ما أو أنها تود أن تقول شيئا ما...
قَّبَّلت سماهر جبهة أمها بعدما قامت ببعض القياسات الطبية الضرورية للوظائف الحيوية من ضغط دم ونسب السكر...ثم ابتسمت وهي تضع الغطاء على جسد أمها الضعيف قبل أن تتحسس وجه أمها بحنوٍ بالغ بأناملها كما لو كانت تتعرف على ملامحها بدون أن تراها ...
مدت سماهر يديها لكي تمسح عن فم أمها ما قد علق به من أثر الدواء وهي تنظر في عينيها اللتين قد تركزتا علي عينيها ....
مسحت سماهر فم أمها ...
لكن يديها لم تبتعدا عن فم أمها بل أبقتهما مكانهما مكممةً فمه وأنفها بينما تحتضنها بقوة وهي تبكى ويعلو صوت نحيبها ..
لحظات قليلة مضت ..
قبل أن تلتقي عيناهما الدامعتان ولا تفارق احدهما الأخرى حتى انطفاء نور إحداهما وخفوت أنفاسه....
أسجت سماهر ذلك الجسد المنهك الخائر ..كما كان نائماً...من قبل
ولكن تلك المرة كان نوماً بلا صحوة .
ثم سارت بخطوات بطيئة ....
رتيبة ...
تتلاحق أنفاسها متثاقلة ...
و قبل أن تغلق باب الغرفة ألقت بنظرة أخيرة على وجه أمها التي قد بدت عيناها مثبتتين في محجرهما وقد تركزتا على عيني سماهر
عينان قد انطفئت فيهما لمعة الحياة
لكنهما فقط كانتا تبرقان بوميضٍ خافتٍ ...
وميضٍ كحبة لؤلؤ باهتة
وميض تلك الدمعة ....








0 comments:
Post a Comment